أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عمر حمش - هي














المزيد.....

هي


عمر حمش

الحوار المتمدن-العدد: 8845 - 2026 / 10 / 1 - 17:00
المحور: الادب والفن
    


قالت له: لا تترك يدي.

كانت العربة تهتزّ خلف سيارة تجرّها، وكلما دخلت حفرة، ارتفعت الأكتاف وانخفضت، واصطدمت الرؤوس، وانزلقت الأقدام فوق الأمتعة. ناس تجلس، وناس تقف، وهي كلما أفلتت يد طفلها بحثت عنها واستعادتها.
كان متكئًا عليها، يرفع رأسه كلّ قليل ويسأل: وصلنا؟
ثم ينظر من بين الأجساد إلى الطريق ويقول: شكلنا ما راح نوصل.
فتضحك وتقول: بدري.
ويعود يلتصق بها، ويده في يدها.
بين الأقدام كيس، جالون ماء، بطانية، قدر صغير، أكياس مربوطة بالحبال، وحقائب وأغطية وأشياء أخرى. تلاصقت الأجساد حتى صارت حركة واحدة تحرّكهم كلهم معًا، وبدوا جسدًا واحدًا تهزّه الطريق. وإن توقفت السيارة التي تجرّهم، مالت العربة إلى الأمام، واصطدمت الرؤوس بالأكتاف، وتعالت الأصوات: على مهلك!
ثمّ يبتلع الاهتزاز كل شيء، وتعود السيارة تتحرّك من جديد.
قال الطفل: ماما، أنا جوعان.
أخرجت قطعة خبز، فسألها: وأنتِ؟
قالت: أكلت.
نظر إليها؛ كان يعرف أنها لم تأكل.
امتدّت يد الجالس أمامهما بحبّة تمر، تناولها الطفل وأكل، ثم مال على كتف أمه وقال: لما نوصل، بدي أنام.
قالت: نام.
سألها: وإنتِ؟
ثم نام ويده في يدها.
رفعت عينيها إلى السماء.
جاءت نقطة ضوء صغيرة، ثم أخرى، تبعتهما أخرى.
شدّت يد ابنها وضمّته إليها.
فتح عينيه وقال: شو؟
جاء الصوت، ثم انقطع. اهتزّ كل شيء مرّة واحدة، وبياض كثيف انفتح، ولم تعد تعرف أين العربة وأين الطريق.
أحسّت بكل شيء يخفّ، ثم يفلت.
فتحت عينيها في الغبار المعلّق والدخان الذي يزحف فوق الطريق. نظرت إلى يديها، ثم إلى ثوبها؛ لا دم، ولا تمزّق. التفتت، فإذا بابنها إلى جوارها، واقفًا بوجهه وثيابه وحذائه، كأن شيئًا لم يمسّه.
قالت: أنت بخير؟
حرّك ذراعيه وساقيه، ثم قال: ما فيّ شيء.
نظرا إلى العربة. كانت مشتعلة، والناس يصرخون من حولها وهم يركضون.
قال الولد: إحنا وين كنا؟
بين حطام العربة رأت أجسادًا ممدّدة. ساكنة. بعضهم لم تعرفهم، وبعضهم عرفتهم من ثيابهم وأشيائهم التي جاورت الوجوه المغطاة بالغبار.

وقعت عيناها على جسدها. رأت الثوب، فالشعر، فالوجه. بقيت واقفة تنظر إلى وجهها الذي تعرفه، إلى يديها الساكنتين، إلى الجسد الذي كان قبل قليل يحتضن طفلها، ثم مدّت يدها إلى صدرها تتحسّسه. كان صدرها يرتفع وينخفض، لكنها لم تفهم كيف يكون لها جسدان، أحدهما هنا والآخر هناك.
في العربة كان الولد بقربها ممدّدًا على جانبه. ثوبه مغبرّ، حذاؤه كما هو، ويده الصغيرة تحت جسده. اقتربت منه واقترب هو أيضًا، وصارا يحدّقان.
ثمّ التفت الولد إلى الرجل الذي كان يجلس أمامهما. كان ممدّدًا بين الأمتعة، رأسه مائل إلى الجانب، وعيناه مغمضتان. على كفّه وبقيت آثار الغبار على اليد التي امتدّت قبل قليل بحبّة التمر رآها الآن ساكنة فوق صدره. وتفرّج أصابعها قليلًا. نظر الولد إلى اليد، ثم إلى وجه الرجل، ولم يقل شيئًا.
بعدها نظر إلى جسده الممدّد، ثم إلى نفسه.
قال بصوت خافت: ماما. هذا أنا؟
سحبته وقالت: تعال.
نظر إلى أمه، ولم يكن يعرف ماذا يقول.
ابتعدا قليلًا. لم تحكِ، ولم يحكِ. وظلّت يدها في يده.
رفعا رأسيهما. مرّ صوت الطائرة وهي تدور، صغيرة لامعة.
سأل الولد وهو يتابعها: هي؟
نظرت الأم إليها، ثم إلى العربة، وقالت: هي.
وعاد هو فقال: هي.
ابتعدت الطائرة حتى صارت نقطة.
قال: ماما، هي شايفانا؟
نظرت إليه، ثم إلى السماء.
الآن لا.
قال: نروح؟
شدّت على يده وقالت: نروح.
لم يلتفت أحد إليهما، ولم يتوقف أحد حين مرّا بينهم. وبعد وقت سأل الطفل: وين رايحين؟
قالت: مع الناس.
سأل: ولما يوصلوا؟
أجابت: بنشوف.
مشى إلى جوارها، ثمّ سبقها بخطوتين ثم التفت ليتأكد أنها خلفه.
ويقول: ماما، إنتِ معي؟
فتقول: معك



#عمر_حمش (هاشتاغ)      





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- طريق النمل
- في الزنزانة
- صاحبي والعدس
- لا متسع للحب
- المفتاح
- اسمها في الكشف
- الطابور
- الاسم الذي مات.
- الكرسي
- زفاف
- ساعات موتي الأولى
- هل أنا مجنون؟
- وعاء
- حفرة
- قبر جديد
- مكعبات صفراء
- أنا بائع بطيخ
- أمر الإخلاء
- استرخاء
- خيطُ القمر


المزيد.....




- تيك توك تغلق حساب فيلم وثائقي عن ماسك قبل عرضه
- بعد تضامنها مع روائية إيرلندية.. الشرطة البريطانية تحسم موقف ...
- حوار | سلوى السنيورة بعاصيري: العلاقات الثقافية بين مصر ولبن ...
- باتمان وتشاكي.. روح جيل -زد- ورموز فكاهية وأخرى من الثقافة ا ...
- -أدين باللغة لجدتي-.. الروائي الجزائري واسيني الأعرج يفتح دف ...
- من مفاتيح البيوت إلى هاتف أبي عمار.. متحف يحفظ تفاصيل فلسطين ...
- بعد سنوات من الغياب.. عادل إمام يعود إلى الواجهة بفيلم يوثق ...
- فنان سعودي يعلق على تضامن مصر مع المملكة برسالة مؤثرة
- -الدَّرّاس-.. كيف يصنع السجناء في المغرب لغتهم السرية للعيش ...
- اكتشاف أقدم حطام سفينة في العالم قبالة سواحل تركيا


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عمر حمش - هي