أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد الغبيدي - من حياة الموصل وقت الأزمة(3): مذهب في الخفاء














المزيد.....

من حياة الموصل وقت الأزمة(3): مذهب في الخفاء


سعد الغبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8845 - 2026 / 10 / 1 - 17:00
المحور: الادب والفن
    


يدخل داعش الموصل، وحال سيطرته عليها يبدأ سريعًا في إعادة تشكيل الحياة وفق تفسيره المتشدد للدين. يقف أبو نافع خطيبًا في الجامع القريب، يوجز للناس ملامح حياتهم الجديدة: على النساء الالتزام باللباس الشرعي، وعدم الخروج إلا بصحبة محرم، وعلى الرجال إطلاق اللحى. تُغلق المحال وقت الصلاة، ويحظر التدخين، ومن يخالف تنتظره عقوبة تُنفذ في العلن. ثم يتشدد صوته وهو يتحدث عن المذاهب التي يعدّها التنظيم خارجة عن الدين، وعن الشيعة الذين يضعهم في مقدمة خصومه. أما المسيحيون فأمام خيارين: الجزية أو مغادرة أرض الإسلام.
يخرج المصلون من هذا الجامع، وقد عرفوا أن الموصل التي دخلوها قبل الصلاة ليست هي الموصل التي سيعودون إليها. يفارقهم غانم ويستدير إلى منزل صديقه علي أمين عبد الله. يعرف أنه من الشبك الشيعة، وأن الكلمات التي سمعها قبل قليل تعنيه أكثر من غيره.
يطرق الباب، وما إن يفتح له علي حتى يدخل مسرعًا ويخبره بما سمع. يصغي علي بصمت. يعرف أن اسمه وبيته وعمله يمكن إخفاؤها خلف حياة تبدو عادية، أما مذهبه فقد صار سرًا ينبغي أن يحرسه. ومنذ ذلك اليوم، يكثر من حضور الدروس الفقهية في الجامع، ويواظب على الصلوات الخمس فيه. يريد أن يراه الآخرون كما يريد داعش أن يرى رجال المدينة، وأن يصنع حول نفسه وأسرته صورة تبعد عنهم الشبهة المذهبية.
في أحد الأيام، يخرج علي من الجامع بعد الصلاة، فيستوقفه اثنان من رجال الحسبة. يسألانه عن اسمه ومنطقته، ثم يطلبان منه مرافقتهما. يحاول أن يعرف السبب، فيأتيه الجواب مقتضبًا: بعض الأسئلة فقط.
تطول الأسئلة أكثر مما توقع. عن أصله، وأسرته، ومن يعرف، والمسجد الذي يصلي فيه. تتوقف الأسئلة عند مذهبه، ويشعر أن كل ما بناه لإخفاء هويته بدأ يتصدع. وفي لحظة يضع أحدهم فوهة السلاح على رأسه، فيما يصر علي على الرواية التي أعدها لحماية نفسه وأسرته.
يمضي وقت ثقيل قبل أن يُطلق سراحه بعد أن يعجزوا عن إثبات ما يشكون فيه. يخرج إلى الشارع، لكنه يعرف أن نجاته هذه المرة منحتْه مهلة فقط. ومنذ ذلك اليوم، يزداد حرصه على حضور الدروس الفقهية والصلوات في الجامع؛ يريد أن يجعل الصورة التي يراها داعش فيه أكثر إقناعًا.
وفي البيت، تحرص زوجته على أن يبقى ما يخفيه علي في الخارج حاضرًا في داخله. تسمعه أحيانًا يردد أمام الأطفال ما ينبغي أن يقولوه إذا سألهم أحد، فتنتظر حتى ينتهي، ثم تعيد على مسامعهم بهدوء ما يعرفونه عن أنفسهم ومذهبهم.
ومع مرور الأيام، تتعلم الأسرة أن تعيش بين صورتين؛ واحدة تبقى داخل البيت، وأخرى تخرج معهم إلى الشارع. يكبر الأطفال وهم يعرفون أن بعض ما يسمعونه في البيت يبقى فيه، وأن كلمة عابرة في الخارج قد تكشف ما تحاول الأسرة حمايته.


تقترب معركة التحرير، ثم تصل القوات الحكومية إلى المنطقة. يظن علي أن سنوات إخفاء الهوية قد انتهت، لكن المظهر الذي صنعه لحماية نفسه ينقلب عليه. يُعتقل مع اثنين من أبنائه للاشتباه في صلتهم بداعش.
يجلس أمام ضابط في الأمن الوطني يقلب أوراق التحقيق.
-معلوماتنا إنك كنت مواظبًا على الصلاة في الجامع خمسة أوقات، وتحضر كل الدروس الدينية.
- صحيح، وكنت أكثر من ذلك أناقش، وأحفظ فقه أبن تيمية.
- لكنك تقول إنك من الشبك الشيعة؟
- ولهذا كنت أفعل ذلك.
يتوقف الضابط عن تقليب الأوراق وينظر إليه.
- كيف؟
- كنت أصلي معهم من باب التقيّة كي أبقى شيعيًا في بيتي. وأحضر دروسهم كي أعود إلى أولادي حيًّا. لو عرفوا مذهبي، لما جلست اليوم أمامك.
يصمت علي لحظة، ثم يقول:
- سنتان وأنا أخفي عن داعش من أكون حتى لا يقتلوني وعائلتي. أصلي معهم، وأحضر دروسهم، وأعلّم أولادي ماذا يقولون إذا سألهم أحد. كنت أخشى أن يعرفوا مذهبي فأدفع حياتي ثمنًا له. واليوم، بعد أن انتهى داعش، صارت الأشياء نفسها التي فعلتها لأحمي نفسي وأولادي سببًا للاشتباه بي. وعليَّ هذه المرة أن أثبت لكم أنني لست واحدًا منهم كي أنجو من الاعتقال والسجن.
ينظر إلى الضابط ويضيف بهدوء:
- في الأمس كنت أخشى أن أموت لأنني شيعي، واليوم أخشى أن أُسجن لأنني اضطررت أن أبدو سنيًّا. كل ما أردته أن أبقى أنا، وأعود إلى بيتي حيًّا لا أحمل شبهة مذهبية.
***



#سعد_الغبيدي (هاشتاغ)      





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يوم خرجت المدينة
- ما ينمو في الظل
- ثقافة تحت الإبط
- يوميات سائق تكسي
- حين تتغير الصور
- إزنك... بين صمت البحيرة وذاكرة الحجر
- بين ظل الشجرة وهيبة الضريح
- قرأ المشهد مبكرًا
- إنكايا... ستة قرون من الظل
- وكر الشياطين
- سلطة الرمز في الوعي الجمعي العراقي
- العرض الثاني
- الحياء الوطني... الوجع الذاي غاب
- حين دلنا القصر على العراق
- على عتبة قصر نيناس
- بين الوكر والمنفى... وجهٌ آخر للوطن
- عبير، النخلة التي أزعجت اليمين المتطرف
- موسم الشاحنات
- فصل عشائري مزور
- المرشح الغائب


المزيد.....




- الموسيقى متنفس أطفال غزة
- بعد مشاركته في احتجاج.. الهند تطلب من الممثل عمران خان مغادر ...
- -شوغر دادي- و-أنا مش عارفني- تفتتحان عروض موسم الرياض المسرح ...
- أربعة أفلام في شهر واحد.. البيتلز تراهن على عودة الجمهور للس ...
- «العزم» يعلن مرشحيه لوزارتي التخطيط والثقافة
- زيندايا تنضم لفيلم خيال علمي جديد من إخراج أليكس غارلاند
- ما علاقة موضة الكشكش بالشر؟ ممثلة بريطانية تحوّل أزياءها إلى ...
- المسرحي الغزي علي أبو ياسين ينال لقب -كاتب الشجاعة- لعام 202 ...
- فيلم -اغتراب- يتوج بالجائزة الكبرى لمهرجان تطوان وتنويه خاص ...
- فلسطين في قلب مهرجان الدوحة السينمائي 2026: حكايات الصمود وا ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد الغبيدي - من حياة الموصل وقت الأزمة(3): مذهب في الخفاء