أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نظمي يوسف سلسع - ثلاث سنوات على الطوفان، حين اهتزّ النظام الإقليمي وبدأ ‏العالم يتغيّر: أي عالم سيخرج من أمواجه؟















المزيد.....

ثلاث سنوات على الطوفان، حين اهتزّ النظام الإقليمي وبدأ ‏العالم يتغيّر: أي عالم سيخرج من أمواجه؟


نظمي يوسف سلسع
(Nazmi Yousef Salsaa)


الحوار المتمدن-العدد: 8846 - 2026 / 10 / 2 - 14:01
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


بعد ثلاث سنوات على السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، لا أجد نفسي معنياً ‏بالدخول في مهاترات المحللين والمتباكين على ما حدث في ذلك اليوم، ولا في السجالات ‏التي اختزلت المشهد كله في سؤال: هل نحن مع «الطوفان» أم ضده؟
هذه ليست القضية التي أريد التوقف عندها‎.‎
القضية الأهم، من وجهة نظري، هي أن السابع من أكتوبر لم يكن حدثاً عابراً انتهى ‏بانتهاء يومه، بل كان زلزالاً سياسياً واستراتيجياً ما تزال المنطقة والعالم يعيشان ارتداداته‎.‎
لقد تغيرت منذ ذلك اليوم حسابات الأمن والردع والتحالفات، وتبدلت صورة ‏المنطقة في الوعي العالمي، وانكشفت حدود القوة العسكرية الإسرائيلية، كما أعيد فتح ‏السؤال الأكبر حول طبيعة النظام الدولي نفسه: هل نحن أمام نهاية مرحلة الهيمنة ‏الأحادية الأميركية، وبداية انتقال تدريجي إلى عالم متعدد الأقطاب؟
لا يعني ذلك أن الهيمنة الأميركية انتهت، ولا أن إسرائيل ستختفي غداً من الخريطة. ‏لكن المؤكد أن الترتيبات التي بدت راسخة لعقود لم تعد تبدو راسخة كما كانت‎.‎
وهنا تكمن أهمية قراءة «الطوفان» من خارج اللحظة التكتيكية‎.‎
من غزة خرج السؤال الكبير
عندما انطلق هجوم السابع من أكتوبر، كانت الصدمة الأولى في إسرائيل، ثم جاءت ‏‏«الفزعة» الغربية الكبرى‏‎.‎
خلال فترة قصيرة، تحولت الولايات المتحدة ودول أوروبية أطلسية إلى شبكة دعم ‏سياسي وعسكري واسعة لإسرائيل، بينما تدفقت الأسلحة والذخائر والمساعدات ‏العسكرية، وجرى توفير غطاء سياسي ودبلوماسي واسع للحرب‎.‎
وفي المقابل، تعرض قطاع غزة لحرب مدمرة طويلة، طالت المدنيين والبنية ‏التحتية والمنازل والمدارس والمستشفيات وأماكن العبادة، وأدت إلى أعداد هائلة من ‏القتلى والجرحى والمهجرين‎.‎
وتوثق الأمم المتحدة استمرار الخسائر البشرية والدمار حتى بعد ترتيبات وقف ‏إطلاق النار التي أعلنت في أكتوبر 2025؛ ففي تقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون ‏الإنسانية الصادر في سبتمبر 2026، أُبلغ عن 1,358 وفاة فلسطينية و4,541 إصابة منذ ‏إعلان وقف إطلاق النار، إضافة إلى 160 وفاة أضيفت لاحقاً بعد استكمال بيانات ‏أصحابها‎.‎
لكن المأساة الإنسانية ليست وحدها ما يجب أن نتوقف عنده‎.‎
فالحدث كشف أيضاً شيئاً أعمق‎: ‎مدى اعتماد إسرائيل على شبكة الدعم الغربية، ‏وخصوصاً الأميركي، سياسياً وعسكرياً واقتصادياً‎.‎
وهنا يصبح السؤال مشروعاً‎:‎
إذا كانت إسرائيل دولة إقليمية مكتملة القوة كما تقدم نفسها، فلماذا احتاجت منذ ‏اللحظة الأولى إلى هذا الحجم من الإسناد الخارجي؟
ولماذا تحولت حماية إسرائيل إلى قضية تتقدم، في الحسابات الغربية، على كثير من ‏المبادئ التي تتحدث عنها تلك الدول نفسها حول القانون الدولي وحقوق الإنسان ‏وحماية المدنيين؟
إسرائيل: من «الحليف الاستراتيجي» إلى عبء استراتيجي؟
‏ ‏ لا يمكن فهم نشأة إسرائيل خارج تاريخ الاستعمار الأوروبي وتقسيم المنطقة ‏العربية‎.‎
فالمشرق العربي لم يدخل القرن العشرين كمنطقة متجانسة سياسياً، بل تعرض ‏لتقسيمات استعمارية أعادت رسم الحدود، وأنتجت كيانات سياسية منفصلة، وربطت ‏أجزاء واسعة من المنطقة بمراكز القرار الاستعماري الأوروبي‎.‎
وفي هذا السياق، ظهرت الحركة الصهيونية والدولة الإسرائيلية لاحقاً داخل ‏منظومة استعمارية دولية، قبل أن تنتقل إسرائيل تدريجياً إلى موقع الحليف الاستراتيجي ‏للولايات المتحدة في الشرق الأوسط‎.‎
ومن هذه الزاوية، لم تكن إسرائيل مجرد دولة تبحث عن أمنها، وإنما أصبحت جزءاً ‏من منظومة إقليمية ودولية لحماية مصالح القوى الكبرى وإدارة الصراع في المنطقة‎.‎‏ وقد ‏كان الهدف، إبقاء المنطقة العربية مجزأة وضعيفة ومتنازعة، ومنع تشكل مركز إقليمي ‏مستقل قادر على امتلاك عناصر القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية‎.‎
لكن المشكلة التي كشفها «الطوفان» هي أن هذه المعادلة لم تعد تعمل بالسهولة ‏نفسها‎.‎
فبدلاً من أن يؤدي التفوق العسكري الإسرائيلي إلى إغلاق القضية الفلسطينية، ‏أعادها إلى مركز السياسة العالمية‎.‎
وبدلاً من أن يؤدي التطبيع العربي إلى تجاوز فلسطين، أعادت الحرب القضية ‏الفلسطينية إلى الشارع العربي والدولي، وأظهرت أن محاولة بناء نظام إقليمي يتجاهل ‏الحقوق الوطنية الفلسطينية تظل عرضة للانفجار‎.‎
وقد خلصت تحليلات بحثية أوروبية إلى أن حرب غزة كسرت افتراضات أساسية ‏كانت تقوم عليها مشاريع التطبيع، وخصوصاً الاعتقاد بأن التطبيع الاقتصادي والأمني ‏بين إسرائيل والدول العربية يمكن أن يحقق الاستقرار من دون حل القضية الفلسطينية‎.‎
التطبيع: إسرائيل ليست جسراً إلى واشنطن
وهنا تبرز مفارقة أخرى‎.‎
لقد قيل إن إسرائيل يمكن أن تكون جسراً بين الدول العربية والولايات المتحدة، ‏وإن التطبيع معها سيمنح الدول العربية نفوذاً أكبر في واشنطن‎.‎
لكن الدول العربية الكبرى تمتلك أصلاً علاقات سياسية وأمنية واقتصادية مباشرة ‏مع الولايات المتحدة‎.‎
فما الذي تضيفه إسرائيل فعلياً إلى هذه العلاقة؟
بل إن السؤال الأكثر إلحاحاً أصبح مختلفاً‎:‎
هل يؤدي تحويل إسرائيل إلى وسيط إقليمي إلى زيادة استقلال الدول العربية، أم إلى ‏زيادة ارتباطها بمنظومة أمنية وسياسية تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل؟
يمكن القول إن التطبيع، حين يتحول من علاقة دبلوماسية إلى منظومة أمنية ‏واقتصادية، قد يصبح عاملاً يقيّد القرار الوطني للدول المعنية بدلاً من أن يعززه‎.‎
وهذا لا يعني أن كل دولة عربية تطبع مع إسرائيل تمتلك السياسة نفسها أو ‏الأهداف نفسها؛ فلكل دولة حساباتها ومصالحها. لكن المؤكد أن حرب غزة أظهرت ‏هشاشة الاعتقاد بأن التطبيع يستطيع تجاوز القضية الفلسطينية‎.‎
الطوفان أسقط «صورة الجيش الذي لا يُقهر»‏
ربما كانت الضربة الأكبر التي تلقاها المشروع الإسرائيلي هي ضربة الصورة‎.‎
فإسرائيل بنت جزءاً كبيراً من ردعها على فكرة أنها دولة صغيرة لكنها متفوقة ‏استخبارياً وعسكرياً وتكنولوجياً، وأن حدودها محصنة، وأن جيشها قادر على منع أي ‏تهديد استراتيجي‎.‎
جاء السابع من أكتوبر ليكسر هذه الصورة‎.‎
ولم تعد المسألة متعلقة بعدد الدبابات والطائرات والصواريخ فقط، بل بقدرة ‏الدولة على حماية حدودها ومجتمعها، وبمدى اعتمادها على المظلة الأميركية والغربية‎.‎
وفي المقابل، فإن الحرب اللاحقة أثبتت أيضاً أن إسرائيل لا تزال قوة عسكرية كبيرة ‏جداً وقادرة على إلحاق دمار هائل بخصومها‎.‎
لذلك فإن القراءة الجدية لا ينبغي أن تقع في وهمين متناقضين: وهم أن إسرائيل ‏انهارت، أو وهم أنها خرجت من الحرب منتصرة بلا أثمان استراتيجية‎.‎
الأصح أن نقول إن ميزان الردع تغيّر، وإن كلفة القوة الإسرائيلية ارتفعت سياسياً ‏وأمنياً ودبلوماسياً‎.‎
إيران وتركيا وإسرائيل: صراع على الشرق الأوسط الجديد
ومن نتائج السنوات الثلاث أيضاً إعادة فتح باب الصراع على سؤال‎: ‎من هي القوة ‏الإقليمية القادرة على التأثير في النظام الشرق أوسطي الجديد؟
هنا تظهر ثلاثة مراكز رئيسية: إسرائيل، إيران وتركيا، إلى جانب القوى العربية التي ‏لا يمكن تجاوز دورها‎.‎
تركيا تمتلك الاقتصاد والجيش والموقع الجغرافي، وتربطها علاقات متشابكة مع ‏أوروبا والولايات المتحدة وروسيا والعالم العربي‎.‎
إيران تمتلك الجغرافيا، والقدرة الصاروخية، وشبكة علاقات إقليمية واسعة، ‏وموقعاً استراتيجياً على الخليج وبحر قزوين، وعلاقات متنامية مع الصين وروسيا‎.‎
أما إسرائيل، فتملك تفوقاً عسكرياً وتكنولوجياً واستخبارياً كبيراً، إلى جانب الدعم ‏الأميركي والغربي‎.‎
لكن السنوات الثلاث الماضية كشفت أن محاولة تحويل إسرائيل إلى القوة ‏المهيمنة الوحيدة في المنطقة تواجه حدوداً جدية‎. ‎بل إن الدراسات الأوروبية حول ‏التحولات الإقليمية بعد السابع من أكتوبر تشير إلى أن الحرب وسعت المواجهة من غزة ‏إلى لبنان وسوريا واليمن وإيران، وأعادت تشكيل حسابات القوى الإقليمية والخارجية‎.‎
ومن هنا يمكن النظر إلى إيران باعتبارها أحد أبرز المرشحين للاستفادة من التحول ‏في ميزان القوى الإقليمي، وليس باعتبار أن انتصارها أو هيمنتها أمراً محسوماً‎.‎
فالمنطقة لم تدخل بعد نظاماً جديداً مستقراً؛ إنها تمر بمرحلة انتقالية شديدة ‏الخطورة‎.‎
من «الشرق الأوسط الأميركي» إلى شرق أوسط متعدد اللاعبين
طوال عقود، كانت واشنطن صاحبة النفوذ الخارجي الأبرز في المنطقة‎.‎
لكن السنوات الأخيرة شهدت تغيراً واضحاً‎.‎
السعودية وإيران أعادتا فتح قنوات التواصل‎.‎
الصين أصبحت لاعباً اقتصادياً ودبلوماسياً مهماً‎.‎
روسيا حافظت على حضورها رغم الضغوط‎.‎
تركيا وسعت هامش استقلال قرارها‎.‎
والدول العربية بدأت، بدرجات مختلفة، تبحث عن تنويع علاقاتها الدولية بدلاً ‏من الاعتماد على مركز واحد‎.‎
وفي سبتمبر 2026، أشارت تحليلات حديثة إلى أن دول الخليج نفسها بدأت ‏تبحث عن ترتيبات أمنية أكثر تنوعاً، في ظل تساؤلات متزايدة حول مدى استدامة الاعتماد ‏على الضمانات الأمنية الأميركية‎.‎
وهنا تظهر إحدى أهم نتائج الطوفان‎»: ‎لم تعد الولايات المتحدة قادرة على إدارة ‏الشرق الأوسط بالطريقة التي كانت تفعلها قبل سنوات»‏‎.‎
لكن هذا لا يعني خروجها من المنطقة‎.‎
فالولايات المتحدة ما زالت قوة عسكرية واقتصادية ودبلوماسية كبرى، وما زالت ‏صاحبة نفوذ واسع‎.‎
المسألة هي أن النفوذ لم يعد منفرداً‎.‎
وهذه نقطة جوهرية‎.‎
الصين وبريكس: العالم الذي يتشكل خارج واشنطن
لا يمكن فهم التحولات الحالية من دون النظر إلى الصعود الصيني واتساع إطار ‏‏«بريكس».‏
ففي السنوات الأخيرة توسعت بريكس لتضم البرازيل وروسيا والهند والصين ‏وجنوب أفريقيا، إضافة إلى مصر وإثيوبيا وإيران والسعودية والإمارات وإندونيسيا. كما ‏أنشأت صيغة «دول شريكة» ووسعت نطاق التعاون مع دول أخرى من الجنوب العالمي‎.‎
وهذه ليست مجرد مسألة أسماء‎.‎
إنها تعكس محاولة متنامية لإعادة توزيع القوة في الاقتصاد والسياسة الدوليين، ‏والمطالبة بإصلاح مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظومة التجارة ‏العالمية‎.‎
وتشير بيانات صندوق النقد الدولي إلى أن اقتصادات الأسواق الناشئة ‏والاقتصادات النامية تمثل أكثر من 60% من الناتج العالمي محسوباً بتعادل القوة الشرائية ‏في تقديرات 2026‏‎.‎
أما الصين، فقد حافظ اقتصادها على نمو حقيقي بلغ 5% في 2025 وفق صندوق ‏النقد الدولي، رغم الضغوط التجارية والداخلية، مع توقع استمرار نموها في 2026 وإن ‏بوتيرة أبطأ‎.‎
وهنا يجب ألا نقع في تبسيط آخر‎.‎
الصين ليست بديلاً أيديولوجياً للولايات المتحدة، وبريكس ليست حلفاً عسكرياً ‏موحداً، ودولها تختلف في المصالح والسياسات، بل إن بينها تناقضات كبيرة‎.‎
لكن أهميتها تكمن في شيء آخر‎:‎‏ إنها تعكس انتقالاً تدريجياً من عالم تتحكم فيه ‏قوة واحدة إلى عالم تتوزع فيه مراكز القوة‎.‎
وهذا التحول، بحد ذاته، يغير البيئة الاستراتيجية التي تتحرك فيها إسرائيل ‏والولايات المتحدة والدول العربية وإيران وتركيا‎.‎
هل بدأ العد التنازلي للهيمنة الأميركية؟
السؤال ليس: هل انتهت أميركا؟
الجواب الواضح: لا‎.‎
السؤال الأكثر دقة هو‎:‎
هل تستطيع الولايات المتحدة أن تستمر في ممارسة الهيمنة العالمية بالطريقة ‏نفسها التي مارستها بعد انهيار الاتحاد السوفياتي؟ ‏
هنا تبدأ الإجابة المختلفة‎.‎
الحروب المتعددة، التنافس الأميركي الصيني، الحرب في أوكرانيا، صعود القوى ‏الآسيوية، توسع بريكس، أزمة الثقة بالحلفاء، وتزايد النزعة إلى تنويع الشراكات الاقتصادية ‏والأمنية، كلها مؤشرات على أن النظام الدولي يتحرك باتجاه أكثر تعددية‎.‎
وقد حذر صندوق النقد الدولي في 2026 من أن الحرب والتجزئة الجيوسياسية ‏والتوترات التجارية يمكن أن تضغط على النمو العالمي والاستقرار المالي‎.‎
إذن، لسنا أمام «سقوط أميركا» غداً، وإنما أمام تآكل تدريجي لقدرتها على احتكار ‏القرار العالمي‎.‎
وهذا فرق كبير‎.‎
ومن هنا يعود السؤال الفلسطيني
إذا كان العالم يتغير، فما الذي يعنيه ذلك للقضية الفلسطينية؟
يعني أولاً أن فلسطين لم تعد القضية المنسية التي يمكن تجاوزها باتفاقات اقتصادية ‏وأمنية‎.‎
ويعني ثانياً أن الشعب الفلسطيني أثبت، مرة أخرى، أن تجاهل حقوقه لا يؤدي إلى ‏الاستقرار، بل إلى إعادة إنتاج الصراع‎.‎
ويعني ثالثاً أن أي مشروع عربي للتحرر والاستقلال السياسي والاقتصادي لا يمكن ‏أن يتعامل مع فلسطين باعتبارها ملفاً خارجياً‎.‎
فلسطين ليست مجرد قضية حدود‎.‎
إنها، في جوهرها، قضية تحرر وطني وحقوق سياسية وإنسانية وقانونية‎.‎
ومن هذا المنطلق، فإن المهمة ليست استبدال تبعية بتبعية أخرى، ولا نقل ‏المنطقة من الهيمنة الأميركية إلى هيمنة قوة دولية أخرى‎.‎
المطلوب هو بناء استقلال عربي حقيقي‎.‎
استقلال القرار‎.‎
استقلال الاقتصاد‎.‎
استقلال الطاقة والغذاء‎.‎
امتلاك التكنولوجيا‎.‎
إعادة بناء الدولة الوطنية على قاعدة المواطنة‎.‎
ووقف الحروب الداخلية‎.‎
والخروج من سياسة المحاور التي جعلت المنطقة ساحة مفتوحة لتنافس القوى الكبرى‎.‎
ثلاث سنوات غيرت السؤال
بعد ثلاث سنوات، لم يعد السؤال الحقيقي‎:‎
ماذا حدث في السابع من أكتوبر؟
بل: ماذا حدث للعالم بعد السابع من أكتوبر؟
حدث أن فلسطين عادت إلى مركز السياسة الدولية‎.‎
حدث أن صورة إسرائيل كدولة محصنة وغير قابلة للاختراق تلقت ضربة تاريخية، ‏رغم استمرار تفوقها العسكري‎.‎
حدث أن الولايات المتحدة اضطرت إلى الانخراط المباشر والمتواصل في أزمة ‏إقليمية شديدة التعقيد‎.‎
حدث أن مشاريع التطبيع واجهت اختباراً لم يكن في حساباتها‎.‎
حدث أن إيران وتركيا والدول العربية والصين وروسيا أصبحت جميعاً أطرافاً في ‏إعادة تشكيل المشهد‎.‎
وحدث أن النظام الدولي نفسه دخل مرحلة أكثر اضطراباً وتعدداً‎.‎
لكن علينا أن نكون دقيقين‎: ‎هذا لا يعني أن التاريخ حسم النتيجة بعد‎.‎
فالمستقبل لا تصنعه التمنيات‎.‎
وإسرائيل لم تنتهِ‎.‎
والولايات المتحدة لم تسقط‎.‎
وإيران لم تصبح القوة المهيمنة الوحيدة‎.‎
وبريكس لم تتحول إلى نظام عالمي بديل‎.‎
كل ذلك ما زال في طور التشكل والصراع‎.‎
لكن ما يمكن قوله بثقة أكبر هو أن الشرق الأوسط الذي كان قائماً قبل السابع من ‏أكتوبر لم يعد هو نفسه‎.‎
وأن النظام الدولي الذي اعتدنا عليه بعد نهاية الحرب الباردة يواجه هو الآخر ‏اختباراً تاريخياً‎.‎
الطوفان كعنوان لمرحلة انتقالية
لذلك، وبعد ثلاث سنوات، ربما يكون من الخطأ النظر إلى «الطوفان» باعتباره ‏مجرد عملية عسكرية بدأت في غزة وانتهت في يومها الأول‎.‎
إنه، في القراءة السياسية الأوسع، عنوان لمرحلة انتقالية‎.‎
مرحلة تتصارع فيها منظومتان‎:‎
منظومة تريد الحفاظ على عالم أحادي القيادة، وعلى ترتيبات الشرق الأوسط التي ‏قامت على التفوق العسكري الإسرائيلي والاعتماد على المظلة الأميركية؛ ومنظومة دولية ‏صاعدة أكثر تعدداً، تبحث فيها دول الجنوب العالمي عن مساحة أكبر من الاستقلال ‏والسيادة والتأثير‎.‎
وفي قلب هذا الصراع تقف فلسطين‎.‎
ليس لأنها سبب كل أزمات العالم، بل لأنها أصبحت واحدة من أوضح ساحات ‏اختبار النظام الدولي الجديد‎.‎
ومن هنا فإن السنوات القادمة لن تكون مجرد سنوات إعادة إعمار غزة أو إعادة ‏ترتيب إسرائيل وعلاقاتها الإقليمية‎.‎
إنها قد تكون سنوات إعادة تعريف من يحكم المنطقة، وكيف تُبنى التحالفات، ‏ومن يملك القرار، وما إذا كان العالم العربي سيبقى ساحة لصراع الآخرين أم يتحول إلى ‏طرف فاعل في صناعة التاريخ‎.‎
وهنا تقع مسؤولية القوى التقدمية العربية: ألا تكتفي بمراقبة انتقال العالم من ‏قطب إلى آخر، بل أن تطرح مشروعاً عربياً مستقلاً، ديمقراطياً، اجتماعياً، تنموياً وتحررياً، ‏يرفض التبعية لكل القوى الكبرى، ويضع فلسطين في قلب مشروع التحرر العربي‎.‎
فالتاريخ لا ينتظر المتفرجين‎.‎
وبعد ثلاث سنوات على الطوفان، ربما يكون السؤال الحقيقي ليس متى ينتهي هذا ‏الطوفان، بل: أي عالم سيخرج من أمواجه؟



#نظمي_يوسف_سلسع (هاشتاغ)       Nazmi_Yousef_Salsaa#          





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني ‏وصناعة المستقبل
- نحو حركة تحرر وطني فلسطيني جديدة ومشروع وطني جامع رؤى وأفكار ...
- فلسطينيو أوروبا أمام انتخابات المجلس الوطني: ‏لمن تكون الشرع ...
- في الثمانين... وما زال في القلب طفلٌ يحلم
- سبتة ومليلية بين التاريخ والقانون والهجرة والجغرافيا السياسي ...
- سبتة وغزة... عندما ترتد أزمات الجنوب إلى أبواب أوروبا الهجرة ...
- سبته ليست أزمة حدود ... لا أزمة نظام عالمي
- عندما تصبح التجارة أداة للابتزاز السياسي: ماذا ‏تعني تهديدات ...
- مناهضة تسييس معاداة السامية... ‏دفاعًا عن الحقيقة والعدالة
- مناهضة تسييس معاداة السامية... ‏دفاعًا عن الحقيقة والعدالة
- الانتخابات الفلسطينية... معركة على الشرعية ‏الوطنية لا سباق ...
- البيت العربي في مدريد... عندما يصبح الحوار ضحية ‏للاستقطاب ا ...
- أزمة حركة فتح ومأزق النظام السياسي الفلسطيني: هل يولد ‏المشر ...
- الفلسطينيون في أراضي 48: معركة البقاء الوطني في ‏زمن الإقصاء
- انتخابات الأندلس 2026: صعود اليسار يعيد التوازن ‏إلى المشهد ...
- الخليج في مرآة الحرب: هل انكشف الوهم أم حان وقت القرار؟
- إسبانيا في مواجهة التحولات الدولية: من مشروع ‏برشلونة إلى قي ...
- بعد مرور 45 عامًا… الحكومة الإسبانية ترفع السرية عن ‏وثائق ا ...
- إسبانيا: خمسة عقود على الديمقراطية ‏
- بعد وقف إطلاق النار في غزة: مسؤوليات جديدة ‏أمام الجاليات ال ...


المزيد.....




- عاصمة هايتي تحت سطوة العصابات.. شوارع مهجورة وحياة محفوفة با ...
- هاري وميغان يظهران معا لأول مرة منذ عودتهما إلى المملكة المت ...
- الحكومة اليمنية تعلن عن هجمات للحوثيين على قصر معاشيق الرئاس ...
- هكذا علَّق عمرو موسى على تصريحات السيسي عن الدستور المصري
- -سي إن إن-: نفاد مخزون كييف من صواريخ -باتريوت- يترك أوكراني ...
- السيسي يكشف لأول مرة كواليس لقاءاته مع نتنياهو: سألني بتتسلح ...
- لافروف: مستعدون للنظر في أي مبادرة جدية
- سوريا.. انفجار يستهدف خط تصدير الغاز من معمل الجبسة في ريف ا ...
- التحالف يكشف عن أعداد ضحايا هجمات الحوثيين ويطالب بوقف تسليح ...
- كنايسل: خطط موسكو وواشنطن حول الديزل تنسف موقف الغرب المناهض ...


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نظمي يوسف سلسع - ثلاث سنوات على الطوفان، حين اهتزّ النظام الإقليمي وبدأ ‏العالم يتغيّر: أي عالم سيخرج من أمواجه؟