أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - نص نثري: من أنا؟














المزيد.....

نص نثري: من أنا؟


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8847 - 2026 / 10 / 3 - 09:24
المحور: الادب والفن
    


لا أعرف متى بدأت الكتابة، ولا أذكر على وجه الدقة لماذا بدأت.
كأنني لم أخترها، بل وجدت نفسي كأني ذات يوم واقفٌ أمام جدار معتم، أتحسس سطحه بيدي، وأبحث عن منفذ لا أعرف إن كان موجوداً أصلاً. ربما كانت الكتابة محاولة لأتجاوزه، أو لأحدث فيه شقاً صغيراً يتسلل منه شيء يشبه الضوء.
كنت أكتب، ولا أعرف ماذا أريد أن أقول.
ربما كنت أبدد غضباً لم أعرف له يوماً اسماً، غضباً لا أعرف مصدره ولا الجهة التي كان يريد الوصول إليها. وربما كنت أكتب لأن الحياة دفعتني دون أن أشعر إلى تقليد من سبقوني إليها، أولئك الذين صعدوا إلى مراتب ظننتها ذات يوم قمماً.
كنت أنظر إلى الأعلى، وأتساءل: هل كنت أبحث عن قمة؟ أم كنت أبحث عن نفسي بين الواقفين هناك؟ هل كنت أريد أن أثبت أنني موجود؟ أم كنت أحاول من خلال الكلمات، أن أُخرج من داخلي شيئاً ظل عالقاً في العتمة، شيئاً لم يكن يعرف كيف يتشكل إلا حين يتحول إلى جملة؟
ربما كانت الكتابة في بدايتها مجرد محاولة لإثبات الحضور، ثم تحولت دون أن أتنبه إلى سؤال عن معنى هذا الحضور. كنت أظن أنني كلما كتبت أكثر اقتربت من الإجابة، فإذا بي أبتعد عنها أكثر.
واليوم، أميل إلى الصمت.
ليس لأنني وجدت الإجابة، بل ربما لأنني تعبت من مطاردة الأسئلة. أجلس بعيداً، أراقب أكثر مما أشارك، وأصغي أكثر مما أتكلم. صرت أقرأ كثيراً، وأنصت كثيراً، وأكتب أقل. كأن الكلمات التي كانت يوماً تتدافع للخروج مني، بدأت الآن تتريث عند العتبة، وكأنها هي الأخرى لم تعد واثقة إلى أين ينبغي أن تذهب.
ومع ذلك، هناك شيء ما، ما يزال يهزني.
شيء لا أراه، ولا أستطيع أن أمنحه اسماً. يظهر أحياناً كرجفة عابرة، أو رغبة مفاجئة في الكتابة، ثم يختفي قبل أن أقبض عليه. كأن في داخلي شخصاً آخر لا أعرفه، يستيقظ حين أظن أنني هدأت، ويطرق باباً لا أعرف أين يقع.
وفي داخلي أيضاً شيء يشبه التناقض؛ انضباط قاسٍ يشدني إلى حدودي، وفوضى صامتة تحاول أن تفلت منها. لكن الغريب أن تلك الفوضى لا تصعد إلى السطح، تبقى هناك، في مكان لا تصل إليه العيون، كأنها تعرف أن ظهورها قد يبدد الصورة التي صنعتها عن نفسي.
ولهذا أتساءل الآن: من كنت حين بدأت أكتب؟ ومن أصبحت بعد كل هذه الكتابات؟ وهل كنت أكتب لأعرف نفسي، أم كنت أكتب لأخفيها عني؟
أحياناً أشعر أنني لم أكن أكتب شيئاً، بل كنت أترك شيئاً ما في داخلي يكتبني. شيئاً لا أعرفه، لكنه يعرفني أكثر مما أعرف نفسي.
وربما لهذا لم أصل إلى شيء.
ربما لم تكن هناك قمة أصلاً، ولا جدار، ولا حتى ذلك الغضب الذي ظللت أبحث عن مصدره. ربما صنعت كل ذلك لأجد سبباً أبرر به وجودي، أو لأقنع نفسي بأنني كنت أمضي نحو شيء، بينما كنت في الحقيقة أدور حول النقطة نفسها، النقطة التي بدأت منها.
والغريب أنني كلما ظننت أنني اقتربت من فهم نفسي، بدا لي أن الشخص الذي أحاول فهمه ليس أنا. فمن الذي كان يغضب؟ ومن الذي كان يكتب؟ ومن الذي قرر الآن أن يصمت؟
لا أعرف.
وربما الأكثر إرباكاً أنني لا أعرف إن كنت أبحث عن إجابة، أم أنني أخشى أن أجدها.
لهذا أكتب الآن...
ولا أدري إن كنت أكتب لأُنهي هذا النص، أم أن هناك شيئاً ما في داخلي يستخدم يدي كي يبدأه من جديد.
وربما...
ربما لم تكن هذه الكلمات لي أصلاً. لكن إن لم تكن لي، فمن الذي ظل طوال الوقت يراقبني وأنا أكتب؟
وهل كان يراقبني...
أم كان ينتظر أن أصل أخيراً إلى السؤال الذي لم أجرؤ على طرحه؟
ومن يدري...
ربما كان السؤال نفسه هو الذي بدأ الكتابة.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نص نثري: آخر طيفٍ من حلم
- قصة قصيرة: التماهي
- قصة قصيرة: رقمٌ بين شهادتين
- على الضفة الأخرى من الغياب
- لحظة العثور على أزرار الحديد: تأملات في الفقد المتكرر في قصة ...
- نص نثري: التيه
- محاكاة الرفات؛ حين يصبح الموت مرآة للحياة: تأملات في ذاكرة آ ...
- صوتٌ قادمٌ من بعيد
- بين ثبات الحارس وتيه خلف: تأملات في معنى الانتماء بين سيف آش ...
- نص نثري: ما تبقى منه
- قصة قصيرة: المشورة
- نص نثري: تحت شجرة الأمنيات
- بين حلم الحرية ووجع الأقنعة، حين يصبح الحب امتحاناً للروح: ت ...
- بين حلم الحرية ووجع الأقنعة، حين يصبح الحب امتحاناً للروح: ت ...
- المعبد بين قداسة المكان وذاكرة الغياب: تأملات في رواية آشور. ...
- نص نثري: هواجس رجل من الماضي
- جدلية الهوية والانتماء: تأملات في الحضور الوجداني بين ذاكرة ...
- جدلية الهوية والانتماء: تأملات في الحضور الوجداني بين ذاكرة ...
- قصة قصيرة: نافذة الغجر
- نص نثري: بين نسختين


المزيد.....




- تيك توك تغلق حساب فيلم وثائقي عن ماسك قبل عرضه
- بعد تضامنها مع روائية إيرلندية.. الشرطة البريطانية تحسم موقف ...
- حوار | سلوى السنيورة بعاصيري: العلاقات الثقافية بين مصر ولبن ...
- باتمان وتشاكي.. روح جيل -زد- ورموز فكاهية وأخرى من الثقافة ا ...
- -أدين باللغة لجدتي-.. الروائي الجزائري واسيني الأعرج يفتح دف ...
- من مفاتيح البيوت إلى هاتف أبي عمار.. متحف يحفظ تفاصيل فلسطين ...
- بعد سنوات من الغياب.. عادل إمام يعود إلى الواجهة بفيلم يوثق ...
- فنان سعودي يعلق على تضامن مصر مع المملكة برسالة مؤثرة
- -الدَّرّاس-.. كيف يصنع السجناء في المغرب لغتهم السرية للعيش ...
- اكتشاف أقدم حطام سفينة في العالم قبالة سواحل تركيا


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - نص نثري: من أنا؟