لإسلام ماله وماعليه - الجزء الثاني

جواد بشارة
jawadbashara@yahoo.fr

2002 / 11 / 11

 باريس

ماهي علاقة الإسلام بالعولمة وموقفه منها؟ إن طغيان مفهوم العولمة على الكرة الأرضية كرس نزعة الشعور بالدونية وكون الكثير باتوا هم كبش الفداء أو الضحية التي لابد منها لترسيخ مبادىء  وقوانين ومعايير العولمة في كافة المجالات.
الإسلام المُغرّب
وفي هذا السياق قام الخبير الفرنسي المختص بالشؤون الإسلامية أوليفييه روا بنشر كتاب جديد تحت عنوان " الإسلام المعولم "  الصادر عن منشورات سوي في أكتوبر 2002 الذي يصف فيه انبثاق إسلام جديد ليس فقط في الدول العربية أو الآسيوية المسلمة فحسب، بل في الغرب أيضاً [ في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا] . تلعب " الأصولية الجديدة " دوراً أساسياً في هذا الإسلام " الكوني أو الشمولي، الذي يتكيف مع كافة المجتمعات بالرغم من تنوعها ويتوجه للأفراد بنظام عمل وتوجيه وسلوك وملبس مبني على شريعة الحلال والحرام وحثهم على خلق فضاء إجتماعي إسلامي نموذجي أو حيز " مؤسلم" يجد فيه المسلمون المهجرون لأسباب متعددة، أنفسهم وهويتهم.ويظهر أوليفييه روا في كتابه :" إن في هذا الإسلام الغربي المكون من مؤمنين مطبقين متعلمين وذوي مستويات أكاديمية عالية يحملون شهادات جامعية وخبرات علمية وتقنية متقدمة ومتحررين من سلطة وسطوة وتأثير رجال الدين التقليديين، يتم تجنيد وتعبئة وتحشيد وتأطير العناصر المشكّلة لأقلية إسلاموية متطرفة وعنيفة . فجميع الأنصار والنشاطين الإسلامويين بلا استثناء [ ومن بينهم عدد من الفرنسيين ]، المتورطين بشكل أو بآخر بتفجيرات وأعمال إرهابية ضد الغرب في السنوات الخمسة الماضية عاشوا أو أتموا دراساتهم في الغرب وكانوا النموذج الأمثل لنتاج " الغربنة والشمولية" [ Occidentalisation, globalisation‘إن جاز لنا  التعبير والتصريف لمفردات  أجنبية غريبة عن اللغة العربية .
وإلى جانب هذه الفئات المحدودة العدد التي تشكل أقلية إرهابية  سرية ، هناك غالبية عظمى تعيش داخل هذا الإسلام المعولم لاتألوا جهدا في الظهور وإثبات الذات والإعتدال . وعلى عكس الإرهابيين يثير هؤلاء شعور الطمأنينة في نفوس رجال البوليس والقضاة الذين جعلوا من بعضهم المحاورين المفضلين لهم والمستشارين الأقرب إليهم.في حين يثير هؤلاء أنفسهم قلق علماء الإجتماع والسياسة لأنه يرون من خلال هؤلاء المسلمين المعتدلين والمتعلمين ، نواة لانبثاق مجتمع إسلامي موازي للمجتمعات الوطنية الغربية الكبيرة،  يسير على هامشه ويثبت جذوره ببطء  ولكن بثقة .، مجتمع إسلامي متحفظ ومتشدد مع الأيام يرفض مبدأ الإندماج والإنصهار داخل المجتمعات المضيفة في بلدان الإقامة واللجوء التي جاء إليها الآباء منذ عدة عقود.كما يقول أنطوان صفير الكاتب والصحفي اللبناني ورئيس تحرير مجلة " كراسات الشرق" الذي نشر مؤخراً مجلداً ضخماً تحت عنوان : " القاموس العالمي للإسلاموية أو للإسلام السياسي Dictionnaire mondial de L Islamisme صدر عن منشورات بلون ، وكذلك في كتابه السابق " شبكات الله" الذين سنتطرق إليهما في حلقات قادمة من الدراسة.
النقاش الدائر في الغرب اليوم بعد أحداث الحادي عشر من ايلول / سبتمبر 2002 يفصل بين الإصلاحيين، الذين يرغبون في المضي قدماً في عملية التحديث  والعصرنة وتكييف الإسلام مع متطلبات العصر، وبين التقليديين ، الذين يريدون دائماً العودة إلى الوراء ، إلى الأصول والجذور الأولى للإسلام ، والحال إن الإتجاه العام ينحو اليوم باتجاه التقهقر على حد تعبير أوليفييه روا. ويتساءل  الباحث : لماذا لايقرأ مؤلفات وكتب وابحاث الإصلاحيين إلاّ القليل جداً من المسلمين اليوم؟ ملاحظاً على سبيل المثال إن أغلب مواقع الإنترنت " لهذه الأمة الإفتراضية أو الرقمية" يديرها ويشرف عليها الأصوليون الجدد وتتسم بفقر تصميمي ومفهومي وعلمي مريع .الشتائم والإقصاء أو الاستبعاد والتكفير والتحريم والتشويهات والشائعات والمعلومات الخاطئة أو غير القابلة للتحقق هي السمات السائدة في هذا النوع من النشاط العقائدي  والتبادل المعرفي بين أفراد الأمة الإسلامية الغربية. وبذلك فهم يناقضون الفهم المنتشر عند البعض من النخبة الغربية الذين يعتقدون بأن الإسلام قادر على التكيف والتحديث بسهولة أكبر في الغرب مما هو في البلدان الأصلية في العالم الإسلامي. والحال إن أوليفييه روا يعتقد بأن المجتمعات الليبرالية تشكل التربة الخصبة والأرضية الملائمة لانتشار الأصولية الجديدة néofondamentalisme فمن مكائد التاريخ أن يكون الإسلام كارهاً للعولمة لكنه ليس فقط تحول من خلالها إلى نموذج آخر ، بل وكذلك أصبح بفضلها مُغرّباً أكثر فأكثر . أوليفيه روا يقدم أطروحة جريئة كما هي عادته قبل عشر سنوات في كتابه " إخفاق الإسلام السياسي" ، ففي كتابه الجديد يقول أوليفييه روا إن الإسلام الحالي إنتقل إلى الغرب مثلما إنتقلت المسيحية قبل قرون من الشرق إلى الغرب وأصبحت إحدى سماته  الجوهرية . فقد اختار ملايين المسلمين الإقامة الدائمة في الغرب وبات عليهم إعادة بناء هويتهم الأصلية الخاصة والمتميزة عن باقي الأقوام الأخرى . من علامات التغرّب نلاحظ أن الإنتماء إلى الدين بات ثمرة لاختيار حر وفردي دون الرجوع إلى " صيغ وقيم أرض الإسلام" ، وإن إعادة أسلمة هذه التجمعات المنحدرة من اصل إسلامي المرافقة لهذا الخيار تترجم من خلال ظهور " أصولية جديدة néofondamentalisme ، أي نوع من النظام السلوكي والنهج الأخلاقي يتوافق تماماً مع العولمة الليبرالية كما هو حال الحركات الأصولية المسيحية واليهودية . فرجال القاعدة على سبيل المثال، المنبثقون من هذا الشكل من اشكال الإسلام المسيّس أغلبهم مهاجرون أو أبناء مهاجرين أعيدت أسلمتهم في الغرب ، بعيداً عن بلدانهم أو بلدان آبائهم الأصلية ، وبعيداً عن عوائلهم وجذورهم الثقافية . إنتماءاتهم النضالية تنتشر ضمن فضاء شامل ومتعدد لايقارن بما تم مع النزعة النضالية للإسلام السياسي الإيراني على سبيل المثال الذي خضع للهيمنة والضرورة السياسية وللمصلحة الوطنية للبلاد . إن هذا الفصل بين الدين والثقافة التقليدية سيزعزع أركان الأطروحات الثقافوية التي ترى في كل المسلمين في العالم  " إثنية دينية " . يوضح المؤلف إن هذا الدين الإسلامي المُغَرَّب والمفتقد لأي مرجعية أرضية أو مكانية ، لايمتلك إستراتيجية " دولوية Etatique" وبالتالي لاتوجد هناك " جيوستراتيجية إسلاموية " لهذا الإسلام الغربي، ومن هنا لايمكن أن توجد " حرب حضارات" مع دين ترعرع وتطور خارج الثقافات الوطنية والقومية للدول .وهكذا يتبع أوليفيه روا في كافة ابحاثه عن ألإسلام أسلوب ومنهج المقاربة الحقلية ليقدم للمتلقي بعض المفاتيح لفهم مالايمكن تبسيطه دون أن يطاله التشويه ، ويعكس الطبيعة المعقدة للعالم والمجتمعات التي ينتشر فيها الإسلام ، أما مبدأ دراسته فبسيط كما قلنا : "المهم ان المسلمين يقولون ان القرآن يقول". ويدل تنوع اجوبتهم على عدم جدوى البحث عن حقيقة واحدة  فإذا أردنا الفهم فعلينا ترك القرآن وتفسيراته وتأويلاته لعلماء الدين والعودة الى المسلمين والى ممارساتهم العملية" فهي المؤشر  الأهم لطريقة الفهم والتفهم  .
 عند الحديث عن "انتقال الاسلام الى الغرب" والتحولات الخارقة التي نتجت من هذه الهجرة التي وقعت لعدة أجيال، لاسيما لناحية الطبيعة الفردية للتدين الاسلامي يقول أوليفييه روا أنها ظاهرة شهدتها الأديان الأخرى ويتساءل المؤلف في هذا السياق :هل بالإمكان بروز إسلام ذي توجه انساني ام ان القراءة الاصولية الجديدة سوف تنتصر ويفرض إسلام ذو ملامح عنفية  وصراعية ذات طابع إرهابي نفسه على الآخرين للتعامل معه كبديل للإسلام التقليدي؟، علماً بأن المؤلف يضع ضمن هذه التسمية الشاملة حركات ذات ايديولوجيات متعارضة بقوة. وفي سياق هذا الاطار يقدم أوليفييه رؤيته لتنظيم"القاعدة" وهي رؤية ذات احتمالات مثيرة حيث يصف هذا التنظيم بأنه "بمثابة مجموعة انتحارية من ادعياء "نهاية العالم" وان مناضليه اليوم أبعد مايكونوا من الانتماء الوطني (وأغلبهم يحملون جنسيات من دول الغرب) وتابعوا دراسات علمية وحصلوا على اختصاصات حديثة في مختلف فروع العلم والمعرفة. انهم نتاج العولمة التي يدّعون محاربتها ولا يوجد لهم  موقع متميز أو خاص في البلدان الاسلامية. ويختم روا: "يمكن لاعادة الاسلمة ان تثير مشكلات امنية واجتماعية لكنها لا تمثل تهديدا استراتيجيا".

 



https://www.ahewar.net/
الحوار المتمدن