لعبة القط والفار..هل تنفع هذه المرة؟!

نجاح يوسف

2002 / 11 / 11


أسابيع طويلة وثقيلة مضت , وهي تغرق ذاكرتنا المشبعة بهموم الوطن , وما يخبئ له القدر من مستقبل غامض, مضبب , إلا من علامات باهتة وتباشير تنسل مرتبكة , تشق عتمة الأحداث , كأنها قطرات من نور.. دعونا نأمل ونحلم ونعمل من أجل أن ينهمر النور, وتتقهقر الظلمة , وترجع البسمة إلى وجوه العراقيين الذين أثقلهم الجوع والمرض والإستبداد الذي لا مثيل له..

وأحسب ان ما تمخض عنه الإجتماع الأخير لمجلس الأمن, والقرار 1441 الذي أقره بالإجماع , سيعجل من تسارع هذه الأحداث, رغم الكوابح المتوقعة, وتصاعد نبرات الإتهامات التي تصدرمن طرفي النزاع , الأمم المتحدة والنظام العراقي.. وقد يبدو مستغربا , بعض الشئ , موقف سوريا من القرار الذي صوتت إلى جانبه, رغم التصريحات المضادة التي سمعناها من الخارجية السورية, قبيل بدأ التصويت عليه!!

سينطلق المفتشون إلى العراق وهم مزودون بقرار دولي , وآلية تفتيش جديدة وصارمة, وقد اعلن العراق موافقته على القراراليوم , وكما هو متوقع, رغم ما سيحيط  تلك الموافقة من مواقف وكلمات وجمل رنانة , تبررإتخاذ النظام لهذه الخطوة, وبالتأكيد ستكون من موقع (القوة والإقتدار) كما عودنا عليها..! ومهما تكن التفاصيل , فلا بد من القول بأن قبول النظام العراقي لهذا القرار, والتعامل معه بصدق وموضوعية , وبعيدا عن التحايل والخداع , ومن قبل كافة الأطراف, سيجنب العراق والمنطقة مخاطرالحرب والدمار..والتدخلات الأجنبية..

ما يجعلني (متشائل), كما يقال, هو ان هذا القرار يحمل في طياته الكثير من الشروط والمستلزمات التي على العراق تنفيذها.. وأصبحت مساحة مناورة النظام العراقي محدودة جدا, إن لم تكن معدومة تماما, بفعل لغة ولهجة وآلية عمل القرار, إلى جانب التصريحات والتهديدات التي تصدر من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا..!!
ومن المفيد القول أن قرار (الفرصة الأخيرة) , والفقرات (التعجيزية) التي سأوردها, تأكد بأن لعبة القط والفار التي شغلت العراقيين , وأثقلت كاهلهم , قبل المجتمع الدولي , ستصل هذه اللعبة إلى نهايتها المتوقعة شاء النظام العراقي هذا أم أبى.. أما اهم هذه الفقرات فهي ما يلي:
1- التأكيد على ضرورة تطبيق العراق ليس فقط , قرارات مجلس الأمن المتعلقة بنزع السلاح , ولكن أيضا كافة القرارات التي صدرت بعد عام 1990 وخاصة القرار 688 الذي يفرض على النظام العراقي إحترام حقوق الإنسان وإيقاف القمع الذي يمارسه ضد الشعب العراقي.. فهل النظام العراقي سيكون صادقا ومؤهلا للقيام بهذه الخطوة المهمة ؟ إني أشك في ذلك..
2- ضرورة تقديم العراق بيانات دقيقة وكاملة عن كافة الجوانب المتعلقة ببرامج بناء وتطوير أسلحة الدمار الشامل وخلال 30 يوما.. ويبدو موقف العراق حساس ودقيق جدا , إذ إنه , وعلى الدوام ينكر إمتلاك مثل هذه الأسلحة ناهيك عن تطويرها.. ولو كشف هذه المرة حقيقة الأمر, فستزداد الشكوك به وببياناته, وسيطلب بعدها المفتشون المزيد والمزيد من المعلومات..أما إذا أصر النظام على تصريحاته وتأكيداته السابقة, واكتشف المفتشون الدوليون أدلة لوجود هذه الأسلحة, فسيضع النظام نفسه في مأزق حقيقي..
3- من حق المفتشين الدوليين إجراء مقابلات مع العلماء والمختصين والعاملين في برامج التسليح (داخل العراق وخارجه) , دون السماح لوجود مراقبين من أجهزة النظام , مع ضمان سلامة عوائلهم , إلى جانب إلزام العراق بتزويد فرق التفتيش بأسماء العلماء والمختصين والعاملين في مجال التسليح وتطويره.. فهل سيسمح النظام العراقي بذلك؟ وما ذا لو حلت عقدة لسان هؤلاء العلماء والمختصين وكشفوا (المستور) ؟ ماذا سيحل بالعراق وشعبه؟
4- يؤكد القرار كذلك على الكشف الفوري لمئات المفقودين الكويتيين ورعايا الدول الأخرى الذين احتجزتهم السلطات العراقية عند غزوها للكويت..وكما هو معروف , فإن السلطات العراقية تنفي وجود هؤلاء المحتجزين , وربما هي على حق .. فقد اعتاد العراقيون على حملات تنظيف المعتقلات والسجون التي يقوم بها النظام في العراق .. وهذه الحملات طالت الألوف من السجناء السياسيين الذين أعدموا ولم تسلم جثثهم إلى عوائلهم.. وقد يكون هؤلاء الأسرى والمفقودون ضمن هذه المجاميع البشرية التي غادرت سجونها محلقة بالمجد.. وهذا سيقود بالتأكيد إلى اتهام النظام العراقي بارتكاب جرائم الحرب .. لو توفرت الإرادة والتصميم من لدن المجتمع الدولي.
 5-  سيتمتع المفتشون الدوليون بحرية التنقل بالطائرات المتنوعة واستخدام طائرات التجسس التي يقودها طيار, أو بدون طيار في محاولة لمراقبة المواقع المشكوك فيها دون تدخل من السلطات العراقية !! والسؤال الذي من الممكن توجيهه للنظام العراقي هو : أين احترام سيادة واستقلال العراق الذي يتحدثون عنه؟  

إن الأيام القادمة ستكشف, كيف سيتهاوى هذا النظام جراء فقدانه السيطرة على رجاله, وتخلخل جهازهم الأمني الذي سيتآكل بفعل الهزات الذي ستصيبه جراء الفضائح التي سيكشفها هذا التفتيش الدقيق عن المآثم والخداع والزيف .. ولعل هذا القرار (المصيدة) سيعجل بانتهاء قصة لعبة القط والفار المملة!!        

         



https://www.ahewar.net/
الحوار المتمدن