فوز حزب العدالة والتنمية في تركيا، نتاج اية واقعيات!!

فارس محمود
faris.mahmood@gmail.com

2002 / 11 / 11

 

حقق حزب العدالة والتنمية في تركيا فوزا ساحقاً في الانتخابات التي جرت يوم الاحد المنصرم بالفوز بـ(363) مقعداً برلمانياً من المقاعد الاجمالية للبرلمان (550) مقعد كانساً مجمل الاحزاب السياسية التقليدية ذات التاريخ الطويل في السياسة التركية. لقد كانت نتائج هذه الانتخابات امراً خارج التوقعات بالنسبة للكثيرين. اذ كيف يتحول حزب سياسي تاسس قبل عام واحد فقط ان يكتسح احزاب عريقة ذات شخصيات عريقة في الساحة السياسية التركية ويستحوذ على اغلبية البرلمان؟!

لقد استغل الكثيرون من المحللون السياسيون سواء الاسلاميون منهم ام القوميون والليبراليون الذين يغطون في افكار "التعددية الثقافية" و"العوالم والثقافات المختلفة" للحديث عن هذا الحدث بوصفه خيار سياسي لـ"مجتمع اسلامي" او "مجتمع ذا جذور اسلامية راسخة وقوية". بيد ان هذا التصوير السائد كثيراً في صحافة اليوم لايتعدى ان يكون تصور سطحي وساذج لتفسير هذا الموضوع. 

لم يكن هذا الانتصار نتاج "اسلامية" مجتمع تركيا، لم يكن نتاج عودة المجتمع الى "اصوله". على العكس من ذلك، لقد حقق حزب العدالة والتنمية هذه القفزة جراء التخلي عن اجندته الاسلامية وخطابه الاسلامي.  اذ وضع هذا الحزب جانباً ديماغوجيته الدينية واعلن، حال انتصاره، انتهاج سياسة التقارب مع امريكا واوربا والالتزام بالاصلاحات الاقتصادية وعدم المساس بالاسس العلمانية للجمهورية التركية وغيرها. لقد رفض اردوغان زعيم الحزب، واكثر من مرة، تصنيف حزبه كـ"حزب اسلامي" او استناد الحزب الى الدين. لقد صنفه  بوصفه حزب محافظ، حزب يمين الوسط. في الحقيقة، كان الحزب وزعيمه اردوغان يدركان ان برنامجاً "اسلامياً" ليس مبعث تاييد الاغلبية في تركيا. ولهذا سعيا، بكل ما اوتيا من امكانية، الى التخلص من شبح الاسلامية و اضفاء الطابع الاوربي على مجمل حركة هذا الحزب. اذ قام بدءاً من التخلي عن تلاوة الايات القرانية في افتتاح تجمعاتهم الانتخابية وابعاد اعضاءه الملتحين او عضواته المحجبات عن الواجهة و جعل متحدثيه من حليقي اللحى ومرتدي البذلات الغربية الانيقة الذين يتحدثون عن اوربا بوصفها مثلهم الاعلى وصولاً الى مغازلة العلمانيين ورجالات الجيش والدول الاوربية وامريكا وتبديد مخاوفهم.

 لقد غمرت قادة الحزب انفسهم سعادة ما بعدها سعادة انهم قد حققوا هذا الحد من الاصوات وليس اكثر!! اذ  لم تفصل الحزب سوى اربعة مقاعد برلمانية للحصول على نسبة الثلثين وهي النسبة الكافية لتغيير دستور البلاد العلماني. اذ لو حققوا هذه النسبة، الثلثين، لوقعوا فريسة ضغوط الجماعات المتشددة في الحزب، المسماة بـ"جناح اللحية والحجاب" وهو جناح نشط وفعال، وبالتالي، سيدخلون نفق لايعرف احد خاتمته بالاخص اذا ما اخذنا بنظر الاعتبار ان هناك جنرالات، "حماة الديمقراطية!" كانت اصابعهم دوماً على الزناد للدفاع عن الدولة والنظام العلماني في تركيا من جهة وللوقوف بوجه تدهور وانفلات الاوضاع ونزول الجماهير المتعطشة للخلاص من اوضاع الفقر، الجوع، البطالة المليونية والحريات السياسية غير المشروطة للشارع.   

 لايمكن فهم نتيجة الانتخابات هذه دون فهم ارضيتها الواقعية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. ان المجتمع التركي لهو مجتمع متازم حتى النخاع منذ عقود وخصوصاً في السنوات القليلة الاخيرة. لقد بلغ هذا التازم اقصى درجاته مع الانهيار الاقتصادي الذ اصاب تركيا في شباط من العام المنصرم والذي جعل طابور العاطلين يمتد ليشمل اكثر من 25% من مجمل الايدي العاملة التركية. ان تركيا لهي من البلدان القليلة في العالم التي اطيح فيها بـ 56 حكومة خلال 79 عام فقط!! ان المجتمع ينضح بالسخط العارم لا على السياسيين فحسب، لا على الاقتصاد فحسب، بل يشمل كل زاوية من زوايا المجتمع: السكن، التعليم، العدل الاجتماعي، القانون، الفساد الاداري والرشاوي والمحسوبيات، الجيش، الاجهزة القمعية والبوليسية. لقد كان هذا عامل مهم في تحديد مسار العملية الانتخابية على صعيد الجماهير في تركيا.

 بيد ان هناك عامل اخر يتمتع باهمية خاصة لدى الطبقات الحاكمة نفسها وبالاخص وهي ترى مدى التردي الذي تمر به احزابها الحاكمة.  ان هيمنة حزب سياسي معين على البرلمان  وانهاء مرحلة الائتلافات الهشة لهي ذات اهمية خاصة للطبقة الحاكمة وللاستقرار السياسي للمجتمع وديمومة عجلة النظام الاقتصادية. ان هذه النتيجة لهي حاجة الطبقات الحاكمة في تركيا وتتناسب بشكل دقيق مع مطامحها وامالها في مجتمع تنهك قواه ازماته الاقتصادية العميقة والتشتت والتشرذم السياسي الكبير في صفوفها. ولهذا، دعمت ووقفت وراء حزب جديد ذا "نقاط قوة" و"ايجابية" من حيث "عدم تلوث" ايديه وايدي قادته في الحكومات السابقة، "عدم تلوث" ايديهم في عمليات الفساد المالي والسياسي الذي يعصف بالهيئة السياسية الحاكمة واحزابها الرئيسية ذات التاريخ الطويل المليء بمثل هذه الممارسات. ولهذا فانه يتمتع باهمية خاصة لستر نظامها السياسي المتهالك. وبالاخص اذا ما اضفنا لهذه اللوحة، تعهد حزب العدالة والتنمية وزعيمه بصيانة "الثوابت" المعروفة: اتخاذ العلمانية كنهج والدفاع عن مرتكزات الدولة العلمانية، السعي نحو الدمج المتعاظم بعجلة الغرب واوربا من حيث الانضمام للاتحاد الاوربي والسير وفق تعليمات صندوق النقد الدولي واجراء الاصلاحات الاقتصادية التي لاتعني سوى فرض اجراءات التقشف وممارسة ضغطوطات اقتصادية اكبر واكبر على الجماهير العمالية والكادحة.

لقد تحدثت جريدة الصباح التركية عن "ان فوز حزب العدالة والتنمية هو ثورة لسكان مناطق الاناضول الذين يزدادون فقراً". ان في هذا الكلام تكمن حقيقة ما الا وهي ان اقسام واسعة من محرومي المجتمع قد اعطت اصواتها لهذا الحزب لا ليقينهم من كونه ممثلاً لتطلعاتهم في الحرية والرفاه، بل انتقاماً من الاحزاب السياسية التقليدية في تركيا التي لم تجلب سوى بطالة مليونية وتضخم اقتصادي رهيب وفساد سياسي ومالي قل نظيره في العالم. انه تصويت احتجاجي اكثر منه تصويت من اجل اهدافهم. وهنا تكمن  ماساة جماهير تركيا. لقد جاء هؤلاء للسلطة في اوضاع تفتقد اغلبية كادحي وتحرري المجتمع الى وجود بديلها المعبر عنها وعن مصالحها وامانيها بعالم افضل. ليس في جعبة حزب العدالة شيء يلبي طموح الجماهير ويرد على معضلاتها المزمنة والعميقة. ان جوابه على هذه الاوضاع، كما هي العادة دوماً، "ليس ثمة اي انفراج اقتصادي لثلاث سنوات مقبلة"!!! اي  انها رسالة صريحة وواضحة موجهة لاغلبية محرومي المجتمع بان انهاء الاوضاع الاقتصادية المتردية لمحرومي المجتمع وكادحيه ليست في صلب اولويات الحكومة الجديدة. ان الحزب منهمك بارضاء صندوق النقد الدولي. ليس بوسع المرء ارضاء صندوق النقد الدولي والتفكير في رفاه وحرية الجماهير. لايمكن جمعهما في سلة واحدة.

ليس بوسع جماهير تركيا، عمالها، شبابها، كادحيها واولهم العاطلين الانتظار طويلاً. ان اوضاعهم غير قابلة للتحمل اكثر. سيركد غبار الانتخابات قريباً. على الحزب الحاكم ان ينتظر موجة اخرى من النضالات العمالية والجماهيرية العارمة. ان حضور قوى الشيوعية العمالية، تحزبها ووضوح مطاليبها واهدافها لهو يتمتع باهمية خاصة في كسب الصراع من اجل رفاه المجتمع التركي وتحرره.   

 

       
 



https://www.ahewar.net/
الحوار المتمدن