المقال الأخير في المسألة العراقية

عبدالرحيم الكريمى

2002 / 11 / 17

 

د.عبدالرحيم الكريمى

 

ذات يوم.. في أحد ممالك النمل، أعتاد فيل ضخم أن يهدم الجحور بقدمه الثقيلة، مستخدما وزنه وحجمه في "فعص" جيوش النمل، يقتل نساء المملكة، وييتم  أطفالها، ويحطم حصونها، ويبعثر حاجياتها.. ثم يمضى، وعندئذ يتحول النمل إلي خلية حية تعيد البناء، وتنفق من الجهد والمؤن الكثير، لتشيد من جديد صرحها ومملكتها، وحين يرى الفيل أن النمل قد بنى وعمر واسترخى، يعود من جديد، يهدم ما بنوا ويحطم ما عمروا، ويفعص جيوشهم، ويمضى بعد أن يترك الدنيا خراب، وهكذا كان يأتيهم الفيل كلما شيدوا وبنوا وعمروا ليهدمه المرة تلو المرة، حتى تولى زمام أمرهم نملة تسمى "فوزى"، زعيما مقتدرا، وخطيبا مفوها، مفتول العضلات، قوى الشكيمة، ثاقب النظر، وحكيم زمانه، فجمع الجمع ذات يوم وأخذ يخطب فيهم، ويلوح بكلتي يديه في الهواء ويهوى بهما على قطعه من فريع نبات كان أمامه أثناء خطبته، ويعد النمل بأنه قادر على سحق الفيل إذا فكر مرة أخرى في اقتحام مملكته، وصدقة قطيع النمل، وحينما عاد الفيل، وأخذ يكسر ويهدم ويحطم كالعادة، كان فوزى مهموما بأن يتسلق قدم الفيل ليمتطى ظهره، والمشوار طويل بين قدم الفيل وظهره، استغرق وقتا طويلا، كان كافيا أن يأتى الفيل على كل شيء في المملكة، ولكن بعزيمة الشجعان أخذ فوزى يتسلق هذه الكتل الجلدية المتعرجة الصلبة التي تغطى جسم الفيل، حتى وصل بعد عناء إلي قمة ظهره، فوقف فوزى على ساقية الخلفيتين، وبصورة مسرحية كشر عن قرون استشعاره، وأطبق بين حاجبيه وتجهم، ورفع يديه الأماميتين ملوحا لشعبه بعلامة النصر، وبصعوبة شديدة جدا رآه النمل، فالمسافة بعيده بين ظهر الفيل والأرض، وعندما رآه النمل وتحققوا منه، أخذوا يهتفون بكل صوتهم وهم يلوحون بعلامة النصر "أخنقه يا فوزى"، "أخنقه يا ريس" اخنقه ابن ال….. ده.

 

لقد اكتملت هذه المسرحية الهزلية، وكنت قد راهنت أحد أعز أصدقائي، إن فوزى  سيوافق على دخول المفتشين، وبلا قيد أو شرط، وأنه سيرضى أن تفتش قصوره، بل وغرف نومة أيضا، وسيقبل بمناطق محظور أن يقترب منها العراقيين، وان يستجوب  المفتشين من ارتأى لهم من علماء العراق في خارج العراق هم وذويهم، سيوافق هذا الفوزى بتفتيش العراق، بيتا بيتاً إذا أراد هذا المعتوه بوش، إذن هذا من كان يدعمه أصدقائنا، كتله من الزيف والديماجوجية، وحفنة من الشعارات لا تسد حاجة، وكأنهم قد تغافلوا لسبب أو لآخر، أن هذه النظم الشمولية لا تقوى على المواجهة ألحقه، ولا تقدر على الصمود الذي يتغنون به في بحبوحة من الوقت، فكل ما يعرفه هؤلاء الحكام هو أن يحكموا شعوبهم بالحديد والنار، فهذه أهليتهم الوحيدة، تناسوا ولا أدرى لماذا العلاقة بين الحريات السياسية للشعوب والمقاومة الحق والصحيحة، التي تعتمد أولا وأخيرا على تفجير طاقة الشعوب السياسية، أم انهم ينتمون إلى أسطورة الرجل الواحد، والنظام الواحد، والكل في واحد، والنملة الواحدة.. لقد ضرب هذا الديكتاتور برأي برلمانه عرض الحائط الذى رفض بالإجماع القرار 1441، وفوضوا صدام في الأمر، فخان الأمانة، وقبل القرار، فبأي مكيال كان أصدقائنا يكيلون مواقف صدام، أبالأقاويل والمؤتمرات والمظاهرات المدفوعة الأجر، والشعارات الجوفاء عن المقاومة، أم بالأكاذيب عن ملايين الفدائيين، وقطع البترول، أم بالتقاط الصور والظهور في الفضائيات..

 

وبدون مبالغة، لم يصدق أحد أن قرار العراق يمكن أن يصدر عن برلمانه، في ظل هذا النظام الشمولي، وإن أردنا الحقيقة، لا عن العراقي ولا عن أي برلمان عربي آخر دون استثناء، وكان بوش مدركا هذه الخاصية العربية، فأعلن أن قرار البرلمان العراقي لا قيمة له، وهو ينتظر رد صدام، الذي أرسل على فوره خطاب قبول القرار لكوفى عنان، بعد اقل من 24 ساعة من قرار البرلمان العراقي، فقط هؤلاء الأصدقاء صدقوا أن هذا النظام سيقاوم، وان صدام سيصمد ويلتزم بقرار البرلمان، ولا أدرى من أين كانت لهم كل هذه الثقة وهذا التأكيد، في ظل غياب دور الشعب في المقاومة والصمود..    

 

وفى رأينا فان صدام قد وافق على القرار ممثلا لكل الأنظمة العربية، وهم بذلك يرتكبون جريمة أخرى في حق الوطن وشعوبنا، فقبول صدام وقبولهم القرار، هو نقطه سوداء أخرى في سجل النظام العراقي بعد غزو الكويت من جانب، لا تقل أثراً أن لم تفوق آثار غزو الكويت، وقبول القرار بالنسبة للأنظمة العربية من جانب آخر، هو في سجلهم المديد أيضا نقطه سوداء لا تقل أثراً إن لم تفوق، قرار التقسيم و242 وكامب ديفيد، فقبول قرار 1441 في نظرنا، سوف يكرس بالسلب ويقنن نتائج هزائمنا المتكررة منذ قرار التقسيم سنة 48، وسوف يحجم القضية الفلسطينية ويدفع بها إلى خانه الديون المعدمة، ومرة أخرى نؤكد أن قبول قرار 1441 لا يقل خطورة عن قبول قرار التقسيم و242 وروجرز وكامب ديفيد وأوسلو وغزه/أريحا واعتبار الحل السلمي هو الاستراتيجية الوحيدة لعرب، وانه محصلة لهذه المسيرة البائسة المتسولة للحل بأي ثمن مع عدو أصبح يحتقر ساستنا وحكامنا، ويتعامل معهم على أنهم نمل اسمه فوزى، فالقرار 1441 هو النسخة العراقية لقرار 242 وكامب ديفيد، كما كان أوسلو النسخة الفلسطينية، ولسوف ينضم لقائمة الأرقام قريبا الرقم السوري بأسرع مما تتخيلون..  

 

وقد يقول قائل أتريدون من صدام ان يرفض القرار ويدفع بالعراق والمنطقة إلى التهلكة؟؟ وردنا ببساطة بالقطع لسنا دعاة حرب، ولكننا في نفس الوقت لا نقبل الاستسلام والرضوخ تحت دعاوى مختلفة، ونعلم كما تعلمون أن العراق سيضرب سواء قبل صدام بالمفتشين أو رفض، وأن المنطقة تتعرض لرياح تغيير عاتية، أظنكم تلمسونها، فعبثا تظنون أن بوش يريد من العراق بترولها، وانه يريد عراقاً مجرداً من أسلحه الدمار الشامل، ومن إرادته السياسية المستقلة، فرغم أن كل هذا صحيح، ولكننا نرى الموضوع أنه أخطر كثيرا من بترول وسلاح ونظام العراق، فقد اختار النظام العالمي الجديد بقيادة أمريكا أن تكون العراق البوابة لعبور هذا النظام العالمي البغيض إلى كل ربوع العالم، خاصة أوروبا واليابان وآسيا، عن طريق التحكم في أكثر من 25% من بترول العالم ورصيده، فهذا النظام العالمي الجديد الفاشستي إنما يريد السيطرة على ينابيع البترول وشرايين إمدادها إلى كل أنحاء العالم وبؤر تطوره وحضارته، للتحكم في معدلات نموها الحضارية فيمنحها أو يحجب عنها بقدر ما تستجيب إلى مخططاته وترضخ لمطالبه، وهو الدور الجديد الذي تعد أمريكا الكيان الصهيوني له في التسلط على العالم، وهو دور أخطر بكثير من دورها في الماضي والحاضر الإقليمي في المنطقة، وميقات تدشين هذا الدور الجديد لإسرائيل هو ضرب العراق ..

 

وجوهر الحقيقة الآن وبعد هذا التطور النوعي في شكل توازنات القوى في عالم القطب الواحد والنظام العالمي الجديد، إن نؤكد على أن الدور التاريخي لحركات التحرر الوطني الديموقراطية قد تغير، وأصبح من المحتم على حركه الشعوب المناهضة لهذا النظام الفاشستي أن تعمل كجبهة وتنسق العمل فيما بينها على مستوى شعوب العالم كلها، فقد اصبح البعد العالمي لدورها أكثر وضوحاً وعمقاً، أصبح منوط بالشعوب في كل أنحاء العالم بكل منظماتها وجمعياتها ونقاباتها ولجانها، مهمة إعادة التوازن الدولي بعد أن تنحت القوى الحاكمة عن دورها التاريخي في أن تكون طرفا وثقلا في ميزان هذا التوازن، وسد الفجوة بين جشع هذا النظام وتوحشه من جانب واحتياج الشعوب في كل أنحاء العالم من جانب آخر في الحياة والمشاركة في صنع غدها، وهى مهمة نضالية ثقيلة بكل المقاييس الذاتية والموضوعية، ولكننا لا نشك ولو للحظة أن الشعوب سوف تجد بلا ريب الطريق الصحيح والملائم لتحقيقها، ومن هنا يأخذ نضالنا من أجل الحريات والديموقراطية أهميته وضرورته، ومن هنا نقف بصلابة وقوة وعداء ضد كل النظم المستبدة والقاهرة لحريات الشعوب.

 

بهذا الفهم الصحيح نقف بقوة ضد العدوان الأمريكي على الشعب العراقي، ونرفض أن يكون العراق البوابة لعبور مثل هذا النظام العالمي الفاشستي إلى العالم، ومن هذا الفهم ننطلق في تصدينا للقرار 1441، الذي خرج معبرا عن إرادة الولايات المتحدة الأمريكية وليس العالم، كما يدعى من اعتادوا لي الحقائق ومزيفي إرادة الشعوب، وبقدر وقوفنا في مواجهة هذا القرار العدائي في الأساس للشعب العراقي، نقف بنفس القوة في مواجهة النظام العراقي بعد أن وافق على القرار الأمريكي رقم 1441، فبموافقته على هذا القرار إنما اختار مع كل من وافقوا عليه، أن يتخندقوا في معسكر أعداء الشعوب، بل ونعتبر الموافقة على هذا القرار قبول بهذا العدوان من قبل أمريكا على العراق وشعبه، وعلى شعوب المنطقة بل وشعوب العالم، ونرى هذا القبول بالقرار قبولا بوضع قيوداً جديدة في يد الشعب العراقي تمنعه من مقاومة هذا العدوان، وممارسة حقه في الانتصار على أعدائه.. لقد أصبح القياس الوحيد لوطنية النظام والقوى السياسية المختلفة هو الديمقراطية، والموقف من الحقوق السياسية للشعوب، والقبول الثقافي والسياسي للغير، ففي قوه الغير قوة لي وفى ضعفها  ضعف لي، فأنت وطني بقدر ما أنت ديموقراطي، وأنت ديموقراطي بقدر ما أنت وطني.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ د.عبدالرحيم الكريمى ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 



https://www.ahewar.net/
الحوار المتمدن